ساعتان من العزلة الرقمية : كيف ولماذا تقطع تونس الإنترنت خلال امتحانات البكالوريا؟
تتحول امتحانات شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) في تونس كل عام من مجرد حدث تربوي إلى استنفار أمني وتقني تشترك فيه عدة وزارات. ومن بين أكثر الإجراءات الإدارية المثيرة للجدل والتي تمس الحياة اليومية لعموم التونسيين، هو قرار "خنق" شبكة الإنترنت وتخفيض التدفق خلال الساعات الأولى من الاختبارات.
فما هي الآلية التقنية المعتمدة؟ وهل تنجح هذه السياسة فعلاً في كبح جماح الغش الإلكتروني؟
الآلية التقنية: ليس قطعاً شاملاً بل "خنق" للتدفق
خلافاً لما يعتقده البعض، لا تقوم السلطات التونسية بقطع كابلات الإنترنت بالكامل عن البلاد، بل تعتمد بالتنسيق بين وزارة التربية، وزارة تكنولوجيات الاتصال، والهيئة الوطنية للاتصالات، ومزودي الخدمة الثلاثة (اتصالات تونس، أوريدو، وأورنج) على استراتيجية التخفيض العمدي لسرعة الإنترنت (Throttling).
استهداف بيانات الهاتف الجوال (4G / 5G): يتم التركيز بالأساس على شبكات الهاتف المحمول في الفترة الصباحية (غالباً من الساعة 8:00 إلى الساعة 11:00 صباحاً). يتم إضعاف التدفق إلى أقصى حد ممكن لمنع رفع (Upload) أو تحميل (Download) الصور ومقاطع الفيديو، وهي الوسيلة الأساسية التي تعتمدها شبكات الغش لتسريب أوراق الامتحانات عبر تطبيقات مثل "فايبر" و"واتساب" ومجموعات "فيسبوك" السرية.
أجهزة التشويش الموضعي (Brouilleurs): بموازاة خنق الشبكة العامة، يتم تفعيل أجهزة تشويش لاسلكي داخل وفي محيط مراكز الامتحانات الكبرى لقطع أي تغطية خلوية قد تُستغل عبر أجهزة مخفية (كالسمّاعات الدقيقة).
استثناء الإنترنت القار: تظل شبكات الإنترنت الثابتة (ADSL، VDSL، والألياف البصرية) في المنازل والشركات تعمل بنسق شبه طبيعي، نظراً لكونها لا تشكل خطراً مباشراً من داخل قاعات الامتحان.
شلل اقتصادي وجدل مجتمعي متكرر
رغم التفهم الشعبي لرغبة الدولة في حماية مصداقية "الباك"، إلا أن هذا الإجراء التقني يواجه سنوياً انتقادات لاذعة من خبراء الاقتصاد والمواطنين على حد سواء.
فخلال تلك الساعات الثلاث، تصاب العديد من الخدمات الحيوية بالشلل أو التباطؤ الشديد:
1. المعاملات المالية والرقمية: تتعطل عمليات الدفع الإلكتروني، وتطبيقات المحافظ الرقمية، وتواجه البنوك والبريد التونسي صعوبات في إتمام العمليات المستندة إلى شبكات الجوال.
2. أصحاب العمل الحر (Freelancers): يجد آلاف المطورين، صناع المحتوى، والعاملين عن بُعد أنفسهم معزولين عن عملائهم الدوليين.
3. قطاع النقل والخدمات: تتأثر تطبيقات النقل الذكي وخدمات التوصيل التي تعتمد كلياً على تحديد المواقع (GPS) وبيانات الهاتف.
هل ينجح "الخنق الرقمي" في منع الغش؟
تُظهر التجارب في السنوات الأخيرة أن تكنولوجيا الغش تتطور بصفة أسرع من آليات الحجب. فرغم خفض التدفق، تسجل وزارة التربية سنوياً مئات حالات الغش الإلكتروني، وتنجح بعض الصفحات في تسريب الاختبارات بعد دقائق من بدئها.
يعود ذلك إلى استخدام وسائل اتصال متطورة لا تعتمد بالضرورة على الشبكات التقليدية، أو استغلال ثغرات بشرية في مراقبة القاعات قبل خروج الاختبار للعلن. وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يصح معاقبة اقتصاد بلد كامل رقمياً من أجل عجز في الرقابة البشرية والتنظيمية داخل المعاهد؟
نحو حلول أكثر ذكاءً
أصبح واضحاً أن سياسة "العقاب الرقمي الجماعي" لم تعد مجدية في عصر يمثل فيه التدفق السريع للإنترنت عصب الاقتصاد اليومي. يدعو الخبراء اليوم إلى التخلي عن هذه الطريقة البدائية والتوجه نحو حلول تكنولوجية أكثر دقة، مثل تفعيل كاميرات المراقبة الذكية، وتشديد العقوبات القانونية والسجنية على شبكات التوجيه الفكري خارج المعاهد، وتطوير أجهزة كشف المعادن والذبذبات عند مداخل القاعات.
إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى التونسيون مجبرين كل شهر جوان على تحمل "ساعات العزلة الصباحية"، كضريبة سنوية للحفاظ على ما تبقى من هيبة الشهادة الوطنية الأهم في البلاد.
x
