بين سلامة المستهلك ومصالح الفلاحين: جدل "الدلاع" يشعل الشارع التونسي
شهدت منصات التواصل الاجتماعي في تونس خلال الأيام الأخيرة موجة عارمة من النقاشات والدعوات المقاطعة الموجهة ضد فاكهة الصيف الأولى "الدلاع" (البطيخ الأحمر). وتأتي هذه التحركات وسط مخاوف متزايدة من تداول تقارير تتحدث عن مخاطر صحية محتملة قد تلحق بالمستهلكين نتيجة لبعض الممارسات الزراعية.
مخاوف مشروعة من "المجهول"
تأتي حملات المقاطعة مدفوعة بحالة من التوجس السائد بين المواطنين تجاه المنتجات "مجهولة المصدر". ويُعزى هذا الخوف إلى حديث متزايد عن لجوء بعض المنتجين إلى استخدام مواد كيميائية غير خاضعة للرقابة، أو الإفراط في استعمال المبيدات بهدف تسريع عملية النمو وتحسين حجم ولون الفاكهة قبل وقتها الطبيعي.
وقد عبر العديد من المستهلكين عن قلقهم من الأعراض الجانبية التي نُسبت إلى تناول هذا النوع من الدلاع، والتي شملت:
- آلام حادة في المعدة والجهاز الهضمي.
- حالات تسمم غذائي تطلبت التدخل الطبي في بعض الأحيان.
- نوبات حساسية مفاجئة، خاصة لدى الأطفال والفئات الهشة.
رأي أهل الاختصاص: العيب ليس في الفاكهة
في المقابل، يرى مهندسون زراعيون وأطباء ومختصون في سلامة الغذاء أن الأزمة لا تكمن في فاكهة الدلاع بحد ذاتها، بل في السلوكيات الزراعية الفردية وغياب الالتزام بالمعايير الفنية المقررة.
وأوضح الخبراء أن الخطر الحقيقي يكمن في عدم احترام فترة الأمان (وهي المدة الزمنية بين رش المبيد وجني المحصول)، داعين المستهلكين إلى اتباع خطوات وقائية أساسية:
1. شراء المنتج من مصادر موثوقة وخاضعة للرقابة الصحية (كالأسواق البلدية الرسمية والنقاط المنظمة).
2. غسل الفاكهة جيداً بالماء من الخارج قبل تقطيعها لتجنب انتقال أي ملوثات من القشرة إلى اللب.
3. تجنب شراء الثمار التي تظهر عليها علامات غير طبيعية في اللون أو الرائحة.
بين حماية المستهلك وضرر الفلاح
يضع هذا الجدل المتواصل الرأي العام أمام كفتي ميزان فبينما يرى تيار واسع أن المقاطعة سلاح مشروع وضروري لحماية الصحة العامة والضغط من أجل تشديد الرقابة، يحذر طرف آخر من خطورة التعميم.
ويرى المدافعون عن القطاع الزراعي أن إطلاق أحكام عامة دون الاستناد إلى تحاليل مخبرية رسمية وصادرة عن جهات حكومية معتمدة، من شأنه أن يلحق ضرراً فادحاً بالفلاحين التونسيين ويهدد منظومة الإنتاج المحلي ككل، خاصة وأن الغالبية العظمى من المنتجين يلتزمون بالقواعد الصحية لضمان جودة منتوجاتهم.
خلاصة القول: تظل سلامة الغذاء خطاً أحمر لا يقبل المساومة، وتستدعي هذه الأزمة تحركاً عاجلاً من الهيئات الرسمية عبر تكثيف التحاليل الميدانية وإعلان النتائج بكل شفافية، لقطع الطريق أمام الشائعات وحماية صحة المواطن وقوت الفلاح على حد سواء.
